الأحد، ٢٦ يونيو ٢٠١١

النجوى .. ورقة من أوراق الورد ..

وبدا الصباح عليها بمعاني الرياض، وعلى الرياض بمعانيها هي، فاجتمع نشاط الكون ونشاط قلبي، وتقتلت كما تتقتل .. وقالت ضاحكة : لا أحبك !
قلت " الرافعي " : إن فيها "أحبك" وهذا يكفي !
قالت وزادت في ضحكها : أعني أبغضك !
قلت : ولكنه بغض من تضحك كما أرى ...!
قالت، وزوت من وجهها وتكلفت العبوس قليلاً : أعني ...
فابتدرتها أقول : إن تكلف وجهك ينطق بأنه لا يعني ...!
فذهب بها الضحك مذهباً ظريفاً وقالت : الآن قطع بك، فلقد كنت أريد أن أقول " أعنى أحبك " فنفيتها أنت فانتفت !
قلت : بل الآن وصل بي .. ما دمت قد قلت " أعني أحبك " وأثبتها أنت فثبتت ...
قالت واستطلق وجهها : إني والله أجد من سروري أن أعجزك، ولكنك داهية لا تعجز، ولا يزال في لسانك جواب ما أقوله وما لم أقله !
فقلت : وأنا والله أجد من سروري أن أقدر، ولكن هل أقدر على ما هو مقدر ؟ إن بعض كلماتك هي الآن كلمات، ولقد تكون غداً حوادث !
فاعترضتني قائلة : أنت تنظر في نور من خيالك مع نور الطبيعة، فترى أشياء كثيرة غير الأشياء .
قلت : ولكنه هو النور الذي يقيد الطبيعة كلها بمنظر واحد ..
قالت : أهو منظر جميل ؟
قلت : بل الجمال بعضه ...
قالت : وما عسى أن يكون باقيه إذا لم يكن الجمال إلا بعضه ؟
قلت : إن في قلبي كلاماً يُسمع من غير أن أتكلم به . وفيه جواب سؤالك !
فاستضحكت وقالت : وعلى هذا فهمت من غير أن أفهم .. ألا قل لي ، لماذا تكون لغتك هكذا ؟
فقلت : لأن الحب يجعل كل سهل واضح في الأشياء غامضاً معقداً في النفس وهذا هو سره، وبهذا يرتفع عن الإنسانية ويجنح إلى التأله، وبسره وتألهه يخلق كل ما يمسه في صورة ثانية مع صورته التي تقوم به، فيجعله بصورتيه من الكون، ومن النفس العاشقة أيضاً، وليس من شئ خُلق مرتين، ولكن أشياء الحب كلها كذلك خلق ثم خلق . 




















ليت شعري ، أيعذب العاشق المسكين بهذا التأله الخيالي فيكون عقاباً شديداً بطريقة غير أرضية؟ أم ينعم به فهو ثواب عظيم بطريقة غير أرضية كذلك ؟


إنه لسرٌ عجيب رائع في قلب من تيمه الحب، يدل عليه إنه ما من عاشق إلا وهو يرى أن رضاه عن جمال حبيبته، وتكوين أوضاعها وتناسقها ومشاكلة بعضها بعضاً، كرضا الضائع عن صنعته وافتنانه بما أبدع واخترع وبما أتفن وأحكم، كأنه هو قدّر وسوّى، وسوّى وخلق، ولو جاز أن يهبه الله القوة على أن يذرأ ، ويبرأ ، ثم أمره أن يخلق لنفسه امرأة، لما صنع إلا هذه التي أحبها بكل ما يحبه فيها، وإن لم يستطع الحب أن يخلق إنساناً فهو يخلق إنسانية .


بذلك لا يُفهم هذا الحب إلا في أسلوب ملتو، لأن له طرفاً غائباً وراء النفس، كالعود من الأعواد غمس أسفله في الماء فلا يتراءى للعين في صفحة الماء إلا ملتوياً متثنياً، لا يعمل من ذات نفسه، بل بموضعه وبتأثير أحكام الضوء في موضعه.


والحب يشبه ألوهية دون حدها، فهو بهذا مفهوم غير مفهوم، ويشبه إنسانية فوق حدها. وهو بهذا أيضاً مفهوم، ولا نراه أبداً إلا مصرحاً غامضاً . 


إن صرح من جهة الحاسة غمض من ناحية الفكرة وكل دونه هو في النفس يأتي من بعده في الموضع والقيمة والاعتبار، لأن في الحب وحده المعنى الأكبر للحياة في وهم الحب، على حين كل ما في الحياة هو في الواقع أكبر منه، ولن يعيش من لا يأكل ولا يشرب ، على أن من لا يحب نراه يعيش.


قال : وضحكت . بذلك لا يُفهم إلا الحب، وبذلك استطعت أن تجعل لغتك هكذا 


قلت : وبذلك أيضاً استطعت أنتِ أن تجدي مخابئ لغوية كثيرة تخبئين فيها الكلمة التي تريدين النطق بها ولا تنطقينها، فصارت لغتك عندي تفسر من معجمات كثيرة :


من نظرة والتفافة وخطرة وحركة، ومن شئ ومن لا شئ، وتقولين الكلمة بما شاء دلالك من أساليبه الكثيرة ، إلا بأسلوب النظق كأنها تراغمك على أن تظهر وتراغمينها على أن تختفي . أتعلمين أنك كالدولة من الدول العظمى ، حاشدة كل وسائل الحرب، مُعدّة لها في كل وقت ، فهي بذلك ظافرة غالبة من غير حرب، كأن وسائل الحرب تُقاتل من غير أن تقاتل ؟ = تمنع الإعتداء فكأنها تقاتله وترده الدولة المستعدة، إذ يقيها غيرها .=


قالت : يا ويحك ! فإذا قبلت منك أني دولة عظمى ، فكيف أقبل منك أني " أكاديمية " عظمى .. حتى تجعل لي معجمات كثيرة ؟ وترى ما الذي يمكنك أن تفسره من معجماتي ؟


قلت : يا ويحك غيرك ! أمكنني يا جبارة المستحيلات ما أمكن الغزال من جبار الممكنات ...


قالت : أسألك عن مستحيلاتي، ولكن ما هي ممكنات غزالك ؟


قلت : إن غزالي هذا كان فيلسوفاً لا يصدق إلا ما يقره، ولا يقر ما لا يمتحنه ، على طريقة الفيلسوف " كانت " .. ولم يكن رأي سبعاً قط، وهوّلوا عليه في أوصافه ورهبته وسطوته، فلم يصدق شيئاً من ذلك إلا أن يراه ويدرسه درساً تحليلياً ، كما تسمين أنت كلامك وفلسفتك. قالوا : فأطال الغزال الفكرة في ذلك، ودبر أن يلقى الأسد ويدرسه . ثم إنه قسّم الدرس إلى أعمال خمسة على هذا النسق : فالأول أن يتجسس مخالب السبع ثم يعجمها يدق عليها بحجر ليعرف مبلغ صلابتها ويقف على سر تركيبها، والثاني ألا يكتفي بمثل هذا الصنيع في الأنياب، بل قرر أن يحطم واحداً منها ليعلم ما سر قوته ومضائها ؟


والثالث أن يتناول عضلات الأسد في زوره ورقبته وأعضاده فيغمزها غمزاً شديداً لعلها من ورم أو شحم وما يدري الناس، والرابع أن يجئ، بالموسى فيحلق لبدة الأسد فيكشف عما تحتها ويرى منظره وقد عرى منها، فلعلها من شعوذته في القوة واحتياله على مظهرها ورهبتها، والخامس أنه متى فرغ من كل ذلك حملق في عيني الأسد ودرس ذلك اللمح الخفيف من شعاعهما، فإن لم يبلغ من ذلك ما أراد علمه وفلسفته اقتلع إحداهما وأسالها وبحث فيها ما شاء !


قالوا : ولما جاء العرين وأصبح من الأسد بمرصد وهبت رائحة لحمان أجداده .. 


قال : النجاة النجاة ! ما هذا بالذي خُلقت له فلسفة رأسي ولكنه الذي خلق له عدو ساقي .. ووثب يشتد مع الريح 


ولكن رآه من تعقيد الحب ، إن الفيلسوف المتهزم الآن هو الأسد بلبدته وأنيابه ومخالبه وبكل ما هو به أسد، والمنتصر هو الغزال بلينه ونعومته وبعينه الكحيلة وبكل ما هو به غزال !


قالت : آه ! ولم تزد .



قلت : آه ! أنت يا حبيبتي فيّ، وأشعر بك دائمة الاندفاق والانصباب في نفسي، كأنك جمال لا ينتهي، وكأني عشق لا يمتلئ وأنتِ خارجة عني وبي شوق دائم النزوع إليك، يُخيل إليّ والله أنه ملء الكون لا ملئ صدري : وأنه لا يزال شارداً منسحباً على الوجود كله لا يجد ما يستقر عليه، مع أنه واجدك، ومع أنه حائم عليك، وما ذلك إلا لأنك دائمة الدلال، أي دائمة الانحراف عن لمسات قلبي، أي دائمة الاعتزاز بمعانيكِ الجميلة، كي لا تثبت صفة منك على صفة مني، كي لا نتعانق حتى ولا في المعاني . 


أنتِ اثنتان عندي وليس في يدي من واحدة في شئ، وإذا كثرت الآمال لتكثر حسرات الإخفاق عليها، فلماذا لا تقول إن الأمل هو الاسم الصحيح للخيبة ؟ 


إنكِ لي كالرؤيا من الرؤى السماوية، فالتي هي أنت ليست في التي هي أنتِ ، وبذلك فالتي أحبها فيكِ لا يمكن أن أجدها فيكِ " أي هو يهوى التي يهواها ليجد فيها مسرات  الحب ، وهذه ليس فيها إلا عذاب الفلسفة " ، كأنما نتلاقى في عالم بعيد من وراء ظواهرنا .


كأنما قامت منا في الحب حدود دولتين، فلن يتقدم حد منهما إلى حد ويكون بينهما سلم، ولا سلم إلا في هذه الوقفة الثابتة، ولا إخلاص ولا محبة ولا ثقة إلا أن يدق مسمار الزمن في كليهما فإذا هو من الآخر بعيد على قرب قريب على بعد " إذا كان السلم بين دولتين متجاورتين، فأبعد الأشياء منالاً عن كل منهما حد جارتها الذي هو أقرب الأشياء إليها ." !


كأننا نعيش في أمس، يجئ يلبس كل يوم من أيامنا لا قوة تناله فتنزعه، ولا قوة تناله فتبليه، فما تزال تتجدد من تحته أيام الحب في سر منا، ونعطي كل يوم عالمنا ولا نأخذه ولا نتلقاه !


كأننا في يوم هجر خالد علينا، فكل ما يأتي بعده من الأيام ميت فيه لا محالة، إذ أيام الحب إنما هي بنسبتها إلى الحبيب لا إلى الزمن .


كأن هذا الحب قد ضرب بيننا وبين الحقائق بسور ظاهره فيه الرحمة وياطنه من قبله العذاب، فكل ما رأيناه رأي العين من فرح الأشياء ولذاتها، علمناه في علم أنفسنا أوجاع مكابدة وآلام حرمان ...! 


فاضجرت فلسفتها هذه الفلسفة فقالت وابتسامتها ظاهرة على قولها: وأما قبل "  اسم رسالة من الرسائل " ؟ 


قلت : وأما قبل فكأنما أنا المكان الحي الذي تئن فيه الأشياء أنينها الباكي، وتبتغي فيه موسيقى الحب من أوتار متقطعة متبعثرة إن جاءت بشئ فبأنغام موتى أو مرضى، وإني لأحسب الدنيا كلها تصدح من حولكِ تلقين فيها النغم ثم لا تحبسين الصمت إلا لي أنا وحدي .


قالت : أفٍ للشاعر من الشاعر نفسه ! أنت كما تريد من الحياة مسرة لابتساماتك تريد منّا آلاماً لعبوسك الشعري ، وإذا لم تجد الألم أوجدته واخترعته ، كأنه لا بد لمن يصنع شعراً أن يصنع مقادير يفرح بها ويحزن !


ما أراني أفهم عنك حين تقول : السماء والطبيعة  وهي، والشمس والقمر وهي ، والخير والشر وهي : فأنت وحدك تفهم هذا، لأن للشعراء شياطينهم، فلك مثلهم شياطين يحدثك وتحدثه، وترى ما اسمه .




قلت : اسمه " هـــي " ....


وكأنما كان الشيطان غائباً في سفرٍ طويل ورجع عند ذكر اسمه، فلما رآها هي اسمه ألقى فيها سحراً من سحره فإذا على ثغرها برهان ثغرها ... وقالت : اسكت !


قلت : لقد عرفنا الشيطان باسمه ..


قالت : اسكت ! 


قلت : ما يسكتني ولا الشيطان نفسه .


فمدت إلي نظرة طويلة كلها براهين على قوة هذا الشيطان الفاتن، وقالت : اسكت اسكت !


ثم لا أدري ما الذي أسكتني حينئذ .. أحسب أن الشيطان سدّ فمي بفمه !


آه ! وأنا حين أقول آه ! أحسبها شعلة تتلوى ذاهبة ممتدة في قلبي .!


آه ! وأنا حين أقول آه ! أشعر أن قلبي يمدها طويلاً طويلاً لتصل إلى قلب آخر .!


آه ! وأنا حين أقول آه ! أراني بعدها كأن روحي طارت إلى آخر مدها ووقعت، آه ! 




الأحد، ١٩ يونيو ٢٠١١

صرخة ألم ...! " ورقة من أوراق الورد "


أكثر تكاليف الحياة في ألمها وتعبها كأكثر أمراض الحياة ، فهل من هذا إلا أن كل إنسان مريض ما دام حياً بأنه حيّ ..؟
ونعيش بين الأشياء والمخلوقات ، ومنها ما يسرنا كأنه أجزاء في وجودنا قد زيدت علينا، ومنها ما يؤلمنا كأنه أجزاء قطعت منا. فهل يؤخذ من هذا الإنسان ما دام مضطراً فهو مريض بأنه مضطر ...

فأين إذن يلقي الحي آلامه وفي جسمه مرض يخلقها مندفعة منه وحول جسمه مرض آخر يردُّها راجعة إليه .
أهما مرضان في القوة أك سجنان للقوة ؟ أم الألوهية تحقق بهذا الأسلوب الجبار قدرتها في ضبط هذا الإله العقلي المسمى الإنسان فشدته وثاقاً من شعوره بآلامه وجعلت أكثر معانيه الإنسانية هي أكثر سلاسله .
* * * * * *
إنما أمر الله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون، ومن شقاء الإنسان أنه طول حياته يزوّر كلمة الألوهية " كن " ويريد أن يقبض من الأشياء قيمتها ..!
وأشد ما يؤلمه أن يهزأ منه ما يقول له " كن " فلا يكون منه شئ فالحكيم لا يتألم إلا ألم الحكمة، والجاهل يتألم بآلام الخيبة والعقاب .
* * * * * *
على أن كل ألم لو حققنا راجع بلذة أو حكمة أو منفعة، وأفراحنا وأحزاننا على تناقضها تلتقي كلها منسجمة في الحكمة الأزلية التي قدرتها لمن يفرح ومن يتألم .
وما أشبه آلام الإنسان بألم الطفل المدلل. نراه يحزن لكثرة ما يفرح ويحول ابتسامته دموعاً في عينيه فيتغير في صورته دون أن يتغير في معناه، فيضحك باكياً، ويشكو فتكون شكواه طريقة مرح في غير شكلها يكون في نفسه معنى واحد ولكن وجهه الغض اللين يضع لهذا المعنى أساليب مختلفة هي أنواع من ألعاب الطفولة .
* * * * * *
إننا نُسَّرُ حين تخضع لنا القوة المحيطة بنا فتؤاتينا، ونألم حين تتمرد علينا. ولكن يا ويحنا! ألا يجوز أن نكون نحن قد تعالينا ففتناها وتكون آلامنا آتية من سموها على المادة، كما ترى وجه الفيلسوف عابساً تحسبه منظر لوعة وهو منظر فكرة سامية ؟
ترفعنا الهموم والآلام، لأن عواطف الحزن والشقاء لا تكون إلا من سمو ، وهي لا بد أن تكون لأنها وحدها الحارسة فينا لإنسانيتنا، إذ تخلق مع حياة الجسم المادية حياة معنوية للقلب، ونحسها من فقد ما نفقده، لأنه لا بد للضمير الإنساني من صوت أليم يقول له أحياناً: أنت سماوي فاترك هذا، وكأن كل لوعة ألم يحسها المرء هي صرخة عاطفة جديدة ولدت في النفس !
* * * * * *
حين يموت الميت العزيز يُولد من موته لذويه الحزن عليه .. تلك بعينها هي طريقة خلق الفضيلة، تفقد شيئاً فتجد من فقده معنى .



والمرأة بكل قواها ترعى طفلها وتحوطه وتربِّيه، ولكن ابنها بكل ضعفه يربي عواطفها ويرعاها ويحوطها، وإن دمعه ليجعلها ترى للأشياء مدامع.. فهو خالق فيها لأنه مخلوق منها وهذا هو التفسير الذي لا غموض فيه، لأنه هو ذاته الغموض الذي لا تفسير له ..
وكذلك آلامنا هي أطفال معانينا .
* * * * * *
وقفت يوماً على شاطئ البحر، فخُيل إليّ أنه عين تبكي بها الكرة الأرضية بكاء على قدرها، وتأملت الجبال فحسبتها هموماً ثقيلة مطبقة على صدر الأرض، وفكرت في البراكين فقلت لوعة أحزانها تثور وتهمد .
ثم رجعت بهذا النظر في الإنسان، فإذا له على قدره بحر وجبال وبراكين .
عند الطبيعة لا ألم ولكنه نظام ، وعند الإنسان لا نظام ولكنه ألم ...
ولعمري، لو أتى للأقدار أن تخاطب البائس المتألم لكان الخطاب بينهما جملتين من القدر وحرفاً واحداً من البائس على هذا النسق:
القدر : هل عرفت كل السر ؟
الإنسان : لا
القدر : ويحك، فهذا الذي أصابك بعض السر !
* * * * * * 

السبت، ١٨ يونيو ٢٠١١

رسم الحبيبة ... !! " ورقة من أوراق الورد "


(( ولما أهدت إليه رسمها كتب إليها )) :

كنت ساعة أجلس للكتابة إليك، أراني كالمصور، غير أني أنقل من عالم في داخلي ؛ أما الآن ورسمك يملأ عيني، فقد أضيف إلى عالمي المضطرب بأخيلته الكثيرة عالم من الجمال الصافي، هو فوق ذلك كالسماء فوق الأرض: تحييها بالشمس والقمر، وهو من وراء ذلك كالآخرة وراء الدنيا : تطمعها بالجنة والخلد .

ولكدت والله يا حبيبتي أتخيل هذا الرَّقّ – كلمة استعملها الرافعي لهذا الورق المقوى الذي تكون عليه الصورة الفوتوغرافية – الموضوع أمامي يبرقُ بصورتك ويشرق بوجهك نافذة سحرية فتحت بيني وبين عالم الجمال الأزلي فأطل فيها وجه حوراء من حور الجنة ينظر إلي وأنظر إليه، يحمله جسم خُلق ليكون فتنة للجنة ذاتها ، وكأنه بجماله ومعانيه حقائق ذلك النعيم جاءت تترجم لذة الخلود للنفس البشرية في بلاغة مصورة اختاروا لها رسمك أنت .

وهل في الحسن أحسن من هذا الوجه الذي يرف على القلب بأندائه ويتلألأ بنضرته ، حتى لكأنه خُلق من نور الفجر، وكأن علامة الفجر فيه إنما هي هذا الروح الذي يحيط القلب من وجهك بمعان كنسمات الصبح ، عليلة من شدة الرقة، ذابلة من فرط الجمال ، مملوءة من روح الندى بما يجعلها حول النفس كأنها جو من شعور حي فرح لا نسمات في الجو ؟

وجه منظر يفزع لحسنه من يراه، كأن شيئاً بدعاً لم يكن ممكناً فأمكن ! أو كأن في حمرة خديه وشفتيه خمر القلب رؤيتها شر بها ، وفيها السكر بالجمال والنشوة بالهوى، فما هو إلا أن ينظر وجهك الناظر حتى يخالط قلبه .

وعلى ما رأيت هذا الوجه الفاتن ، فما رأيته من مرة إلا حسبتها أول مرة، وكانت معه لنفسي جمحاتها الأولى، كأن الحب الذي بدأ في أول نظراتي إليه يبدأ في كل نظرة إليه بدءاً جديداً ؛ وأرى جمال الوجوه يخاطب في حاسة الإعجاب ولا يعدو هذه العاطفة، وأرى وجهك أنتِ يبلغ القصوى ويأخذ بقلبي كله ويستولى على جملة ما في إنسانيتي .

وإني لألمح فيه سراً عجيباً يكون فقدان العبارة عنده هو أبلغ العبارة في وصفه، إذ لا تتكلم روعة الحس بالجمال، وهي تنزل في صور الألفاظ، وإنما تغمز على القلب غمزة خافتة تشعر الناظر أنّ روح المنظر خامرت الروح وأن حياة الشكل انسكبت في الحياة، وأن المعنى الغامض في السر اتصل بالمعنى الغامض في النفس .

وبمثل هذا السر الذي يطالعني من جمال وجهك أصبح الجمال على الحقيقة هو علم أفراح النفس وأحزانها، وعاد الشخص الجميل المعشوق وما هو بكل معانيه إلا الفن الفلسفي الكامل أُتيح لنفس أخرى تحاول بالحب أن تكون كاملة .

ومن هذا السر يظل وجه الحبيب جديداً على كل نظرة من محبه وإن طال ترداد النظر وتكراره، كأن الوقت لا يمضى معه كما يمضي مع الأشياء، وكأن الحب أبدية على قدر ما تحتمل الدنيا، ولهذا فهو يضغط على القلب لا بالساعة ولا باليوم ، بل يجثم بقطعة ضخمة من الزمن كأنها عمر كامل فرحها شديد شديد ، وحزنها شديد شديد .

سر عجيب، فكرت طويلاً كيف أسميه فلم يستوِ لي، وقد جل أن يقع معناه في كلمة ، ولكني أسميه المعنى المتفرق المجتمع، إذ هو بجملته ظاهر في الوجه كله، وهو بجملته أيضاً ظاهر على مقدار ذلك في كل موضع من قسمات وجهك ومعارفه، كأنه لا أجزاء له ولا جملة كأنه شئ أبدي ، كأنه في وجهك تأله الحب .
ومن بعض هذا السر تلك الابتسامة الواقعة على ثغرك ترق فيها الروح مرة وتتكاثف مرة، حتى كأنها – وهي في الرسم – لون روحي ظهر يتموج على شفتيك ، فما أقلّب فيه عيني إلا شعرت أن روحي تذوب فيه كما يتمازج لونان في السماء على الشفق الأحمر .

ومن بعضه هذه النظرة الحية التي تبعث في كل معنى من معانيك حياة وتخلق منه لعيني فكرة أتلمحها فيه، حتى ليروعني من أثرك عليّ وأنا أنظر إلى رسمك، أني أتخيل نفسي بجملتها أسئلة وجسمك هذا بجملته أجوبتها !

نظرة ساحرة تجعلني أرى كل شئ في رسمك محدوداً، ومع ذلك أراك أنت غير محدودة في شئ ! كأن لك فيضاً من الجمال والسحر يستغرق العالم ويغمر الكون ولا يكتفي بما ينتهي دون ما لا ينتهي، أو كأنك أنت مجتلي هذا الفيش لعيني؛ وكأنك وسيلة في اتصال روحي بروح الجمال الأزلي .

وماذا أقول في هذا الشكل المنسجم المتجاوب من كل نواحيه ، إلا أنه القوة الرهيبة ظاهرة في ملمسها الناعم والضعف المؤنث الذابل مسلحاً بأسلحة الشهوات والفتنة، والسلطة القادرة اتخذت لها شكل الجمال فيك لتأمر وتنهى فينا .

إنه لجمال أكبر من الجمال، إذ كانت فيه القوة والفتنة والحب جميعاً والجمال وحده من شأنه أن يُعجب، ولكنه فيه يُصبى ويُدله، وبذلك يُعجب ويفتن، وبذلك يتسلط مسوغاً الحق ، وبذلك لا تكون له إلا الطاعة !

لا أرى غير هذا الشكل يأخذ بقلبي، ولكن أين أجد الكلام يستوعب كل ما في قلبي لأعطي كل معانيك الصوت واللغة ؟

وكيف لي أن أزعم أني وصفت التي تمتاز على الشمس والقمر بأن فيهما النور وحده وفي وجهها النور الحي ؟
  

الجمعة، ١٠ يونيو ٢٠١١

وحي القبــــور


ذهبت في صبح يوم عيد الفطر أحمل نفسي بنفسي إلى المقبرة، وقد مات لي من الخواطر موتي لا ميت واحد؛ فكنت أمشي وفي جنازة بمشيعيها؛ من فكر يحمل فكرًا، وخاطر يتبع خاطرًا، ومعنى يبكي، ومعنى يكبى عليه.
وكذلك دأبي كلما انحدرت في هذه الطريق إلى ذلك المكان الذي يأتيه العيون بدموعها، وتمشي إليه النفوس بأحزانها، وتجيء فيه القلوب إلى بقاياها. تلك المقابر التي لا ينادى أهلها من أهليهم بالأسماء ولا بالألقاب، ولكن بهذا النداء: يا أحبابنا، يا أحزاننا!
ذهبت أزور أمواتي الأعزاء وأتصل منهم بأطراف نفسي، لأحيا معهم في الموت ساعة أعرض فيها أمر الدنيا على أمر الآخرة، فأنسى وأذكر، ثم أنظر وأعتبر، ثم أتعرف وأتوسم، ثم أستبطن مما في بطن الأرض، وأستظهر مما على ظهرها.

وجلست هناك أشرف من دهر على دهر، ومن دنيا على دنيا، وأخرجت الذاكرة أفراحها القديمة لتجعلها مادة جديدة لأحزانها؛ وانفتح لي الزمن الماضي فرأيت رجعة الأمس، وكأن دهرًا كاملًا خلق بحوادثه وأيامه، ورفع لعيني كطما ترفع الصورة المعلقة في إطارها.

أعرف أنهم ماتوا، ولكني لم أشعر قط إلا أنهم غابوا؛ والحبيب الغائب لا يتغير عليه الزمان ولا المكان في القلب الذي يحبه مهما تراخت به الأيام؛ وهذه هي البقية الروح إذا امتزجت بالحب في روح أخرى: تترك فيها ما لا يمحى لأنها هي خالدة لا تمحى.
ذهب الأموات ذهابهم ولم يقيموا في الدنيا، ومعنى ذلك أنهم مروا بالدنيا ليس غير، فهذه هي الحياة حين تعبر عنها النفس بلسانها لا بلسان حاجتها وحرصها.


الحياة مدة عمل، وكأن هذه الدنيا بكل ما فيها من المتناقضات، إن هي إلا مصنع يسوغ كل إنسان جانبا منه، ثم يقال له: هذه الأداة فاصنع ما شئت، فضيلتك أو رذيلتك.
جلست في المقبرة، وأطرقت أفكر في هذا الموت.
 يا عجبا للناس! كيف لا يستشعرونه وهو يهدم من كل حي أجزاء تحيط به قبل أن يهدمه هو بجملته؛ وما زال كل بنيان من الناس به كالحائط المسلط عليه خرابه، يتأكل من هنا ويتناثر من هناك!
يا عجبا للناس عجبا لا ينتهي! كيف يجعلون الحياة مدة نزاع وهي مدة عمل، وكيف لا تبرح تنزو النوازي بهم في الخلاف والباطل، وهم كلما تدافعوا بينهم قضية من النزاع فضربوا خصما بخصم وردوا كيدا بكيد، جاء حكم الموت تكذيبا قاطعا لكل من يقول لشيء: هذا لي؟

أما -والله- إنه ليس أعجب من السخرية بهذه الدنيا من أن يعطى الناس ما يملكونه فيها لإثبات أن أحدًا منهم لا يملك منها شيئًا، إذا يأتي الآتي إليها لحما وعظما، ولا يرجع عنها الراجع إلا لحما وعظما، وبينهما سفاهة العظم واللحم حتى على السكين القاطعة.
تأتي الأيام وهي في الحقيقة تفر فرارها؛ فمن جاء من عمره عشرون سنة فإنما مضت هذه العشرون من عمره. ولقد كان ينبغي أن تصحح أعمال الحياة في الناس على هذا الأصل البين، لولا الطباع المدخولة والنفوس الغافلة، والعقول الضعيفة, والشهوات العارمة؛ فإنه ما دام العمر مقبلا مدبرا في اعتبار واحد، فليس للإنسان أن يتناول من الدنيا إلا ما يرضيه محسوبا له ومحسوبا عليه في وقت معا؛ وتكون الحياة في حقيقتها ليست شيئا إلا أن يكون الضمير الإنساني هو الحي في الحي.
وما هي هذه القبور؟ لقد رجعت عند أكثر الناس مع الموتى أبنية ميتة؛ فما قد رأوها موجودة إلا لينسوا أنها موجودة؛ ولولا ذلك من أمرهم لكان للقبر معناه الحي المتغلغل في الحياة إلى بعيد؛ فما القبر إلا بناء قائم لفكرة النهاية والانقطاع؛ وهو في الطرف الآخر رد على البيت الذي هو بناء قائم لفكرة البدء والاستمرار؛ وبين الطرفين المعبد وهو بناء لفكرة الضمير الذي يحيا في البيت وفي القبر، فهو على الحياة والموت كالقاضي بين خصمين يصلح بينهما صلحا أو يقضي.
القبر كلمة الصدق مبنية متجسمة، فكل ما حولها يتكذب ويتأول، وليس فيها هي إلا معناها لا يدخله كذب ولا يعتريه تأويل. وإذا ماتت في الأحياء كلمة الموت من غرور أو باطل أو غفلة أو أثرة، بقي القبر مذكرا بالكلمة شارحا لها بأظهر معانيها، داعيا إلى الاعتبار بمدلولها، مبينا بما ينطوي عليه أن الأمر كله للنهاية.

القبر كلمة الأرض لمن ينخدع فيرى العمر الماضي كأنه غير ماضي، فيعمل في إفراغ حياته من الحياة (أي من انسانية الحياة ) بما يملؤها من رذائله وخسائسه، فلا يزال دائبا في معاني الأرض واستجماعها. والاستمتاع بها، يتلو في ذلك تلو الحيوان ويقتاس به، فشريعته جوفه وأعضاؤه، وترجع بذلك حيوانيته مع نفسه الروحانية، كالحمار مع الذي يملكه ويعلفه، ولو سئل الحمار عن صاحبه من هو؟ لقال: هو حماري.
القبر على الأرض كلمة مكتوبة في الأرض إلى آخر الدنيا، معناها أن الإنسان حي في قانون نهايته، فلينظر كيف ينتهي.
إذا كان الأمر كله للنهاية، وكان الاعتبار بها والجزاء عليها، فالحياة هي الحياة على طريقة السلامة لا غيرها، طريقة إكراه الحيوان الإنساني على ممارسة الأخلاقية الاجتماعية، وجعلها أصلا في طباعه، ووزن أعماله بنتائجها التي تنتهي بها، إذ كانت روحانيته في النهايات لا في بداياتها.
في الحياة الدنيا يكون الإنسان ذاتا تعمل أعمالها؛ فإذا انتهت الحياة انقلبت أعمال الإنسان ذاتا يخلد هو فيها؛ فهو من الخير خالد في الخير، ومن الشر هو خالد في الشر؛ فكأن الموت إن هو إلا ميلاد للروح من أعمالها؛ تولد مرتين: آتية وراجعة.
وإذا كان الأمر للنهاية فقد وجب أن تبطل من الحياة نهايات كثيرة، فلا يترك الشر يمضي إلى نهايته بل يحسم في بدئه ويقتل في أول أنفاسه، وكذلك الشأن في كل ما لا يحسن أن يبدأ، فإنه لا يجوز أن يمتد: كالعداوة والبغضاء، والبخل والأثرة، والكبرياء والغرور، والخداع والكذب؛ وما شابه هذه أو شابهها، فإنها كلها انبعاث من الوجود الحيواني وانفجار من طبيعته؛ ويجب أن يكون لكل منها في الإرادة قبر كي تسلم للنفس إنسانيتها إلى النهاية.


إن رؤية القبر زيادة في الشعور بقيمة الحياة، فيجب أن يكن معنى القبر من معاني السلام العقلي في هذه الدنيا.
القبر فم ينادي: أسرعوا أسرعوا، فهي مدة لو صرفت كلها في الخير ما وفت به؛ فكيف يضيع منها ضياع في الشر أو الإثم؟ لو ولد الإنسان ومشى وأيفع وشب واكتهل وهرم في يوم واحد، فما عساه كان يضيع من هذا اليوم الواحد؟ إن أطول الأعمار لا يراه صاحبه في ساعة موته إلا أقصر من يوم.
ينادي القبر: أصلحوا عيوبكم، وعليكم وقت لإصلاحها؛ فإنها إن جاءت إلى هنا كما هي، بقيت كما هي إلى الأبد، وتركها الوقت وهرب.
هنا قبر، وهناك قبر، وهنالك القبر أيضًا؛ فليس ينظر في هذا عاقل إلا كان نظره كأنه حكم محكمة على هذه الحياة كيف تنبغي وكيف تكون.
في القبر معنى إلغاء الزمان، فمن يفهم هذا استطاع أن ينتصر على أيامه، وأن يسقط منها أوقات الشر والإثم، وأن يميت في نفسه خواطر السوء؛ فمن معاني القبر ينشأ للإرادة عقلها القوي الثابت؛ وكل الأيام المكروهة لا تجد لها مكانًا في زمن هذا العقل, كما لا يجد الليل محلا في ساعات الشمس.
ثلاثة أرواح لا تصلح روح الإنسان في الأرض إلا بها:
روح الطبيعة في جمالها، وروح المعبد في طهارته، وروح القبر في موعظته.



الاثنين، ٢٣ مايو ٢٠١١

أنتَ غرستَ الحبَّ في اضلعي - الرافعي

أنتَ غرستَ الحبَّ في اضلعي  فكيفَ لا أسقيهِ من أدمعي

لو شئتَ يا حلوَ اللمى لم تبتْ  غلةَ هذا القلبِ لم تنقعِ

ولم أبتْ ليلةَ جافيتني  من مضجعٍ جافٍ إلى مضجعِ

إذا دعاني السهدُ لبيتهُ  وإن دعوتُ النومَ لم يسمعِ

أسألُ ليليَ ما لهُ لم يغبْ  وما لنجمِ الصبحِ لم يطلعِ

وأحسبُ الطيرَ إذا رجعتْ  حنتْ لمن أهوى فناحتْ معي

ذو هيفٍ يقنعني طيفهُ  وهو بغيرِ الروحِ لم يقنعِ

لم ألقَ ممن نظروا وجههُ  الا فتىً يعشقُ أويدعي

يا هاجراً أسقمني طرفهُ  كلُ دواءٍ فيَّ لم ينجع

كم حرقةٍ قد ضاقَ صدري بها  ولوعةٍ كاتمتها اضلعي

وحسرةٍ في النفسِ ما غادرتْ  قلب الفتى العذريِّ حتى نُعي

أخلفها بعدي لأهلِ الهوى  من موجعِ القلبِ إلى موجعِ

تستنزلُ المالكَ عن عرشهِ  بينَ يدي عرشِ الهوى الأرفعِ

وتبعث الروعة يوم الوغى  إلى فؤاد البطل الأورعِ

فابعث لقلبي منكَ تسليمةً  أبثها في ذلكَ الموضعِ

تسترجع النومَ إلى أعيني  فقد مضى النومُ ولم يرجعِ

كم أمرَ الحبُّ وكم قد نهى  فبتُّ باكي العينِ لم أهجعِ

ومن يكنْ قائُدُهُ حُبُّهُ  يقدهُ بالرغمِ إلى المصرعِ